تَثَبَّتْ قَبْلَ أَيِّ رَدِّ فِعْلٍ
الخُطْبَةُ الأُولَى
الحَمْدُ للهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ الفَعَالِ لِمَا يُرِيدُ، يَحْكُمُ مَا يَشَاءُ وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ. فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ:
وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَمَرَ بِكُلِّ فَضِيلَةٍ وَنَهَى عَنْ كُلِّ رَذِيلَةٍ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ وَرَحْمَتُهُ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَ سُنَّتَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، وَتَمَسَّكُوا بِدِينِكُمْ، وَحَافِظُوا عَلَى عَلَاقَاتِكُمُ الطَّيِّبَةِ وَالاحْتِرَامِ المُتَبَادَلِ.
أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَالأَخَوَاتُ فِي الإِسْلَامِ، تَسْمَحُونَ لِيَ اليَوْمَ أَنْ أَبْدَأَ هَذِهِ الْخُطْبَةَ بِقِصَّةٍ. هِيَ لَيْسَتْ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ وَلَا حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَلْ هِيَ قِصَّةٌ ذَاتُ أَبْعَادٍ تَرْبَوِيَّةٍ، تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا دُرُوسًا عَمِيقَةً. فَاسْتَمِعُوا لَهَا بِإِمْعَانٍ ثُمَّ اسْتَخْلِصُوا مِنْهَا العِبَرَ!
فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، كَانَتْ هُنَاك سَيِّدَةٌ تَنْتَظِرُ رِحْلَتَهَا الجَوِيَّةَ فِي أَحَدِ المَطَارَاتِ. ذَهَبَتْ إِلَى مَتْجَرٍ لِتَجِدَ مَجَلَّةً جَيِّدَةً تُسَاعِدُهَا عَلَى تَمْضِيَةِ الوَقْتِ، وَانْتَهَزَتِ الفُرْصَةَ لِتَشْتَرِيَ أَيْضًا عُلْبَةَ بَسْكُوِيتٍ، ثُمَّ جَلَسَتْ فِي القَاعَةِ لِتَقْرَأَ... وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ مُسْتَغْرِقَةً فِي قِرَاءَتِهَا، إِلَّا أَنَّهَا لَاحَظَتْ أَنَّ وَلَدًا صَغِيرًا جَالِسًا بِجَانِبِهَا، بِكُلِّ جُرْأَةٍ وَوَقَاحَةٍ، كَانَ يَأْخُذُ قِطْعَةً أَوْ قِطْعَتَيْنِ مِنَ البَسْكُوِيتِ مِنَ العُلْبَةِ المَوْضُوعَةِ بَيْنَهُمَا. وَلَمْ يَكُنْ يَخْفِي ذَلِكَ حَتَّى...
فَتَظَاهَرَتْ بِأَنَّهَا لَا تَرَى شَيْئًا لِتَتَجَنَّبَ فَضِيحَةً مُزْعِجَةً أَمَامَ النَّاسِ. كَانَتْ تَقْرَأُ، وَتَأْكُلُ البَسْكُوِيتَ، وَتُرَاقِبُ إِقْلَاعَ الطَّائِرَاتِ، بَيْنَمَا كَانَ "لِصُّ البَسْكُوِيتِ" يَلْتَهِمُ زَادَهَا. وَمَعَ مُرُورِ الوَقْتِ ازْدَادَ اسْتِيَاؤُهَا وَتَضَايُقُهَا، وَكَانَتْ تُحَدِّثُ نَفْسَهَا قَائِلَةً: "لَوْ لَمْ أَكُنْ لَطِيفَةً وَمُهَذَّبَةً هَكَذَا، لَصَفَعْتُ هَذَا الشَّقِيَّ! وَلَكِنْ أَيْنَ وَالِدَاهُ؟ كَمْ هُوَ سَيِّئُ التَّرْبِيَةِ !!"
وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَتْ تَأْخُذُ فِيهَا بَسْكُوِيتَةً، كَانَ الصَّبِيُّ يَمُدُّ يَدَهُ بِلَا حَيَاءٍ وَيَأْخُذُ مِثْلَهَا. وَعِنْدَمَا لَمْ يَبْقَ فِي العُلْبَةِ إِلَّا قِطْعَةٌ وَاحِدَةٌ، تَسَاءَلَتْ كَيْفَ سَيَكُونُ تَبَرُّمُهُ وَرَدُّ فِعْلِهِ. بَدَا عَلَيْهِ السُّرُورُ، وَظَهَرَتْ عَلَى وَجْهِهِ ابْتِسَامَةٌ خَفِيفَةٌ فِيهَا نَوْعٌ مِنَ الخَجَلِ، ثُمَّ أَخَذَ البَسْكُوِيتَةَ الأَخِيرَةَ، وَقَسَمَهَا إِلَى نِصْفَيْنِ، وَقَدَّمَ لَهَا نِصْفًا وَأَكَلَ نِصْفَهُ.
فَانْتَزَعَتْهَا مِنْ يَدِهِ، وَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا: "لَا أُصَدِّقُ هَذَا! هَذَا الوَلَدُ سَيِّئُ التَّرْبِيَةِ وَقِحٌ لِلْغَايَةِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ جَفَاءً، حَتَّى إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ لِي شُكْرًا !"
لَمْ تَتَذَكَّرْ أَنَّهَا شَعَرَتْ بِمِثْلِ هَذَا الغَيْظِ مِنْ قَبْلُ؛ لِذَلِكَ تَنَفَّسَتِ الصُّعَدَاءَ حِينَمَا وَصَلَتْ أُمُّهُ قَائِلَةً: "جَاءَ دَوْرُنَا فِي الصُّعُودِ، هَيَّا بِنَا!". جَمَعَ الصَّبِيُّ أَغْرَاضَهُ وَتَبِعَهَا... ثُمَّ نَظَرَ إِلَى السَّيِّدَةِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ مُوَدِّعًا... وَمِنْ شِدَّةِ غَضَبِهَا، شَاحَتْ بِوَجْهِهَا عَنْهُ وَكَأَنَّهَا لَمْ تَرَ شَيْئًا...
وَبَيْنَمَا كَانَا عَلَى بُعْدِ أَمْتَارٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ، سَمِعَتِ الأُمَّ تَقُولُ لِابْنِهَا: "لَقَدْ أَنَهَيْتَ العُلْبَةَ كُلَّهَا فِي خَمْسِ دَقَائِقَ، هَذَا كَثِيرٌ !!". وَبَيْنَمَا كَانَتْ تُرَاقِبُهُمَا وَهُمَا يَبْتَعِدَانِ، اجْتَاحَتْ جَسَدَهَا قَشْعَرِيرَةٌ مِنَ الرُّعْبِ... وَبِتَرَدُّدٍ، مَدَّتْ يَدَهَا إِلَى حَقِيبَتِهَا، وَدُونَ أَنْ تَنْظُرَ، أَدْخَلَتْ يَدَهَا فِي دَاخِلِهَا... فَمَاذَا وَجَدَتْ ؟ لَقَدْ كَانَتْ عُلْبَةُ البَسْكُوِيتِ الخَاصَّةُ بِهَا قَابِعَةً فِي دَاخِلِ الحَقِيبَةِ...
يَا لَلْخَجَلِ وَيَا لَهُ مِنْ دَرْسٍ!
أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَالأَخَوَاتُ فِي الإِسْلَامِ، كَمْ مِنْ وَاحِدٍ مِنَّا كَانَ سَيُفَكِّرُ تَمَامًا مِثْلَ هَذِهِ السَّيِّدَةِ ؟ كَمْ مِنَّا كَانَ سَيَدِينُ هَذَا الطَّفْلَ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ الحَقِيقَةَ ؟ لِهَذَا السَّبَبِ حَذَّرَنَا اللَّهُ تَعَالَى قَائِلًا:
إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَبْنِي أَحْكَامَهُ عَلَى الانْطِبَاعَاتِ، وَلَا يُدِينُ النَّاسَ بِنَاءً عَلَى المَظَاهِرِ، وَلَا يُحَوِّلُ الشَّكَّ إِلَى يَقِينٍ.
وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَذَّرَنَا كَذَلِك مِنَ الظَّنِّ حِينَ قَالَ:
وَكَمْ مَرَّةً نَسَبْنَا لأَخِينَا نِيَّةً سَيِّئَةً حِينَ لَمْ يَكُنْ يَحْمِلُ أَيَّ صَغِينَةٍ ؟ كَمْ مَرَّةً فَسَّرْنَا الصَّمْتَ عَلَى أَنَّهُ كِبْرٌ ؟ وَالتَّأْخِيرَ عَلَى أَنَّهُ قِلَّةُ احْتِرَامٍ ؟ وَالكَلِمَةَ عَلَى أَنَّهَا هُجُومٌ؟
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، إِنَّ المُرْءَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَحْمِلَ أَخَاهُ عَلَى المَحْمَلِ الحَسَنِ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ. وَعِنْدَمَا انْدَلَعَتْ حَادِثَةُ الإِفْكِ وَالافْتِرَاءِ ضِدَّ أُمِّنَا عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَدَّبَ اللَّهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ:
كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَقُولُونَ: "الْتَمِسْ لأَخِيكَ سَبْعِينَ عُذْرًا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ لَهُ عُذْرًا، فَقُلْ لَعَلَّ لَهُ عُذْرًا لَا أَعْلَمُهُ".
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَالأَخَوَاتُ فِي الإِسْلَامِ، هَذِهِ القِصَّةُ تُذَكِّرُنَا أَيْضًا بِحَقِيقَةٍ يَغْفُلُ عَنْهَا الكَثِيرُونَ: السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَجْمُوعَةٍ مِنَ العِبَادَاتِ الطَّقْسِيَّةِ، بَلْ هِيَ مَدْرَسَةُ حَيَاةٍ مُتَكَامِلَةٍ. تَرْوِي أُمُّنَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَائِلَةً:
لِمَاذَا هَذَا التَّفْضِيلُ لِلْيَمِينِ؟ لِأَنَّ اللهَ يُحِبُّ النِّظَامَ. السُّنَّةُ تُرَبِّي المُؤْمِنَ حَتَّى فِي دَقَائِقِ حَيَاتِهِ الْيَوْمِيَّةِ؛ تُعَلِّمُهُ أَنْ يَأْكُلَ بِيَدِهِ اليُمْنَى، وَأَنْ يُعْطِيَ بِاليُمْنَى، وَأَنْ يَسْتَلِمَ بِاليُمْنَى، وَأَنْ يَبْدَأَ الأَعْمَالَ الشَّرِيفَةَ وَالمُكَرَّمَةَ بِاليَمِينِ.
فَلْنَتَفَكَّرْ قَلِيلًا: فِي القِصَّةِ الَّتِي سَمِعْنَاهَا اليَوْمَ، كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَمْلِكُ عُلْبَةَ بَسْكُوِيتٍ، وَقَدْ نَشَأَ سُوءُ الفَهْمِ لِأَنَّ المَظَاهِرَ أَدَّتْ إِلَى اللَّبْسِ وَالخَلْطِ. لَوْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَافَظَ تِلْقَائِيًّا عَلَى أَغْرَاضِهِ الشَّخْصِيَّةِ فِي جَانِبِهِ المُنَاسِبِ، تَمَاشِيًا مَعَ هَذِهِ التَّرْبِيَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي تُفَضِّـلُ النِّظَامَ، لَكَانَ مِنَ المُحْتَمَلِ جِدًّا تَجَنُّبُ هَذَا الارْتِبَاكِ؛ إِذْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ سَيَضَعُ عُلْبَتَهُ عَنْ يَمِينِهِ لِيَأْكُلَ بِسُهُولَةٍ بِيَدِهِ اليُمْنَى.
💡 ثَلَاثَةُ تَوْجِيهَاتٍ مَاهِرَةٍ لِلْخُرُوجِ بِهَا:
- لَا تَحْكُمَنَّ أَبَدًا بِنَاءً عَلَى المَظَاهِرِ.
- نَتَثَبَّتْ دَائِمًا قَبْلَ أَنْ نَسْتَنْتِجَ أَوْ نَقْضِيَ.
- نَثِقْ بِحِكْمَةِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، حَتَّى لَوْ لَمْ تَظْهَرْ لَنَا غَايَتُهَا فِي الحَالِ.
اللَّهُمَّ أَرِنَا الحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا البَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ.
اللَّهُمَّ لَا نَسْأَلُكَ فَقَطْ أَنْ تَعْصِمَنَا مِنَ الخَطَأِ، بَلْ نَسْأَلُكَ سُبْحَانَكَ أَنْ تَحْمِيَنَا مِنَ القَنَاعَاتِ الخَاطِئَةِ؛ لِأَنَّهَا الأَصْعَبُ فِي التَّصْحِيحِ.
وَنَسْأَلُكَ أَنْ تَرْزُقَنَا ذُرِّيَّةً تَدْعُو أَعْمَالُهُمْ وَأَخْلَاقُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَنْطِقَ أَلْسِنَتُهُمْ!
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى تَحْقِيقِ الغَايَةِ مِنْ خَلْقِنَا وَوُجُودِنَا عَلَى هَذِهِ الأَرْضِ، اللَّهُمَّ فَقِّهْنَا فِي الدِّينِ وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يُطَبِّقُهُ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي يُرْضِيكَ!
اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي بَلَدِنَا الحَبِيبِ (النَّيْجَر) وَفِي شَعْبِهِ، وَاحْفَظْنَا جَمِيعًا وَأَنْزِلْ رَحَمَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ عَلَى البَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ.
وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.